تتزايد تداعيات أزمة الطاقة العالمية على الاقتصاد السوري، في ظل ارتفاع أسعار النفط عالميا والتوترات الجيوسياسية في المنطقة، مما يفرض ضغوطا إضافية على بلد يعتمد بشكل أساسي على استيراد احتياجاته من المشتقات النفطية والغاز، ويواجه تحديات متراكمة في هذا القطاع الحيوي.
وفي هذا السياق، أوضح الدكتور أسامة قاضي، مستشار وزارة الاقتصاد والصناعة السورية، أن ارتفاع أسعار النفط من نحو 77 دولارا إلى أكثر من 100 دولار للبرميل ينعكس بشكل مباشر على الاقتصاد السوري، مشيرا إلى أن البلاد لا تزال بحاجة إلى استيراد جزء من احتياجاتها، مما يؤدي إلى زيادة تكاليف الإنتاج والضغط على تكاليف المعيشة اليومية للمواطنين.
تأمين الاحتياجات
وأضاف، في تصريح لوكالة الأنباء القطرية "قنا"، أن الحكومة تعمل على استقدام ما أمكن من النفط والغاز لتأمين الاحتياجات دون ارتفاع كبير في التكاليف، إلا أن سوريا ليست بمعزل عن العالم، حيث ارتفعت أسعار المواد الغذائية عالميا وتكاليف الشحن نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة.
وأشار إلى أن هذه التداعيات قد تكون مؤقتة مع انتهاء الحرب على إيران، لافتا إلى وجود محاولات لتخفيف الأعباء على المواطنين، سواء عبر تحسين مستويات الدخل أو من خلال استقدام إمدادات إضافية من الغاز والنفط من دول شقيقة، مما يسهم في التخفيف من آثار الأزمة.
د. أسامة قاضي: ارتفاع أسعار الطاقة يؤدي إلى زيادة معدلات التضخم
وبين مستشار وزارة الاقتصاد والصناعة السورية أن ارتفاع أسعار الطاقة يؤدي إلى زيادة معدلات التضخم نظرا لدخولها في مختلف جوانب الحياة الاقتصادية، مؤكدا أهمية تسريع الوصول إلى إنتاج محلي يغطي الاحتياجات اليومية، بما يعزز الاستقرار في قطاع الطاقة.
كما أشار إلى أن تحسين البنية التحتية لقطاع النفط والغاز، إلى جانب التوسع في مشاريع الطاقة البديلة، يشكلان مسارا مهما لتجاوز التحديات، لافتا إلى وجود مشاريع للطاقة الشمسية يجري العمل عليها في عدد من المناطق داخل سوريا.
من جانبه، أكد نقيب الاقتصاديين السوريين محمد البكور، في تصريح مماثل لوكالة الأنباء القطرية "قنا"، أن أزمة الطاقة العالمية تفرض ضغوطا متزايدة على الاقتصاد السوري، الذي يعد مستوردا صافيا للمشتقات النفطية، مشيرا إلى أن أي ارتفاع في أسعار النفط يضيف أعباء كبيرة على فاتورة الاستيراد، وينعكس على عجز الميزان التجاري والضغط على سعر صرف الليرة السورية.
محمد البكور: زيادة أسعار المحروقات على مختلف أسعار السلع والخدمات
وأوضح أن ارتفاع تكاليف الطاقة يشكل محركا رئيسيا للتضخم، حيث تنعكس زيادة أسعار المحروقات على مختلف أسعار السلع والخدمات، مما يؤدي إلى تآكل القدرة الشرائية للمواطنين في ظل مستويات معيشية صعبة.
وأضاف "البكور" أن القطاعات الإنتاجية تتأثر بشكل مباشر، إذ تشكل الطاقة نسبة كبيرة من تكاليف الإنتاج الصناعي في بعض القطاعات، مما يؤدي إلى تراجع الإنتاج وضعف القدرة التنافسية، بينما ارتفعت تكاليف الري والنقل في القطاع الزراعي، الأمر الذي ينعكس على الأمن الغذائي.
ضغوط تضخمية
وأشار إلى أنه في ظل استمرار الأزمة من المتوقع بقاء الضغوط التضخمية وتذبذب سعر الصرف، مما يستدعي اتخاذ إجراءات تشمل تنويع مصادر الطاقة، والتوسع في الطاقات المتجددة، ودعم القطاعات الإنتاجية إلى جانب دعم الفئات الأكثر تضررا.
وفي السياق ذاته، أوضح أحمد السليمان مدير الاتصال الحكومي في وزارة الطاقة السورية، في تصريح لـ"قنا"، أن أزمة الطاقة بسوريا ناتجة عن مزيج من العوامل الظرفية والتحديات الهيكلية، مشيرا إلى أن البنية التحتية لقطاع النفط والغاز تعرضت لأضرار كبيرة خلال السنوات الماضية ما أدى إلى تراجع القدرة الإنتاجية.
أحمد السليمان: العقوبات الاقتصادية أسهمت في الحد من قدرة البلاد على تأمين احتياجاتها
وأضاف أن العقوبات الاقتصادية وصعوبات الاستيراد أسهمت في الحد من قدرة البلاد على تأمين احتياجاتها من الوقود والغاز، لافتا إلى أن التطورات الإقليمية بما فيها الحرب على إيران، أثرت على سلاسل التوريد وزادت الضغط على الشبكة الكهربائية.
وأشار إلى أن وزارة الطاقة تعمل على عدة مسارات لتحسين الواقع، تشمل إعادة تأهيل المنشآت المتضررة وتأمين توريدات إضافية وتنفيذ برامج لترشيد استهلاك الطاقة، إضافة إلى التوسع التدريجي في مصادر الطاقة المتجددة ضمن استراتيجية طويلة الأمد.
وأوضح أن التحسن سيكون تدريجيا ومرتبطا بمدى استقرار الظروف الإقليمية ونجاح الجهود المبذولة، لافتا إلى وجود مؤشرات إيجابية مع دخول بعض المشاريع حيز التنفيذ رغم استمرار التحديات.
من جهته، أكد الدكتور محمد الجشي رئيس قسم التمويل في الجامعة العربية الدولية، في تصريح لـ"قنا"، أن الأزمة الحالية ذات طابع عالمي، إلا أن تأثيرها على الاقتصاد السوري يبدو أكبر نتيجة عوامل إضافية، من بينها القيود الاقتصادية وصعوبات التحويلات المالية إلى جانب تقلبات سعر الصرف.
د. محمد الجشي: القطاع الصناعي بدأ يتأثر بشكل واضح نتيجة ارتفاع أسعار المواد الأولية
وأوضح أن ارتفاع تكاليف الطاقة ينعكس على أسعار السلع والخدمات، ويزيد الأعباء على المواطنين، مشيرا إلى أن القطاع الصناعي بدأ يتأثر بشكل واضح نتيجة ارتفاع أسعار المواد الأولية وتراجع القدرة الشرائية، في حين أن التأثيرات على القطاع الزراعي لا تزال محدودة نسبيا لكنها مرشحة للتزايد مع ارتفاع تكاليف مستلزمات الإنتاج.
سيناريوهات مطروحة
وأشار إلى أن من بين السيناريوهات المطروحة التوجه نحو استثمار موقع سوريا كممر للطاقة في المنطقة، ما قد يسهم في توفير إيرادات إضافية والتخفيف من حدة الأزمة، خاصة مع بدء مرور بعض إمدادات النفط عبر الأراضي السورية.
بدوره، أوضح السيد محمد غزال الباحث في الاقتصاد الدولي والتمويل، في تصريح لوكالة الأنباء القطرية "قنا"، أن أبرز انعكاسات أزمة الطاقة تظهر في قطاع الاستيراد وسلاسل التوريد، حيث تتأخر فترات التسليم وتظهر فجوات في الإمدادات، إلى جانب ارتفاع تكاليف النقل البحري والجوي والتأمين، مع تركز مسارات النقل باتجاه الغرب، مما يؤدي إلى نقل هذه التكاليف إلى المستهلك النهائي وحدوث موجات تضخمية إضافية.
وأشار إلى أن سوريا بوصفها دولة مستهلكة للطاقة تتأثر بشكل مباشر بارتفاع أسعارها، ما يقود إلى تضخم من جانب العرض يتمثل في ارتفاع عام للأسعار وتآكل القدرة الشرائية وانخفاض الدخل الحقيقي، بالتوازي مع ظهور تشوهات في السوق مثل الفجوات السعرية واختفاء بعض السلع في فترات معينة، مقابل تراكم سلع أخرى نتيجة اختناقات التوريد.
محمد غزال: نقص الطاقة يؤدي إلى تعطل جزئي في النشاط الصناعي وفقدان فرص عمل
وأوضح أن الإنتاج يرتبط بشكل وثيق بتوفر الطاقة، خاصة في القطاع الصناعي، حيث يؤدي نقصها إلى تعطل جزئي في النشاط الصناعي وفقدان فرص عمل وانخفاض الإنتاج المحلي، مما ينعكس على تباطؤ التعافي الاقتصادي، لافتا إلى أن القطاع الزراعي قد يواجه بدوره تحديات أكبر مع ارتفاع تكاليف مستلزمات الإنتاج خلال الفترات المقبلة.
وأضاف أن المؤشرات الأولية للأزمة تظهر من خلال الارتفاع الواضح في أسعار السلع المستوردة، خاصة تلك المرتبطة بالنقل البحري، مشيرا إلى وجود عدة سيناريوهات محتملة، منها سيناريو متشائم يتمثل في استمرار التوترات وتفاقم نقص الموارد، مما يؤدي إلى زيادة الضغوط التضخمية وتراجع العرض في الأسواق.
كما لفت إلى سيناريو آخر يقوم على التكيف الداخلي من خلال تعزيز الإنتاج المحلي والاعتماد على الموارد المتاحة وتسريع عمليات تأهيل البنية التحتية، إلى جانب تنويع مصادر الطاقة بعيدا عن مناطق التوتر، فضلا عن سيناريو ثالث يتمثل في الاستفادة من الموقع الجيوسياسي لسوريا كممر إقليمي للطاقة، بما يتيح تحقيق إيرادات إضافية وتخفيف الضغوط الاقتصادية.
