في اليوم الدولي للتنوع البيولوجي

مبادرات قطرية متميزة للمحافظة على التوازن البيئي

21/05/2026 الساعة 20:40 (بتوقيت الدوحة)
ع
ع
وضع القراءة

يحتفل العالم باليوم الدولي للتنوع البيولوجي سنويا في الـ22 من مايو من كل عام، وسط جهود حثيثة لحماية كوكب الأرض وخصوصا حياة الحيوانات والنباتات اللتين تمثلان ركيزة من ركائز رفاهية البشر في الحاضر والمستقبل، بما تحمله من توازن بيئي وتنوع إحيائي ومصدر مهم للمعادن التي تدعم بقاء النظم الإيكولوجية.

لكن المؤشرات تقول إنها تتعرض للتدهور بوتيرة غير مسبوقة، جراء الأنشطة البشرية التي أحدثت تغييرات كبيرة في 75% من البيئات البرية، و66% من البيئات البحرية، وهذا ما دفع المنظمات الدولية لإطلاق جرس الإنذار إزاء خطر الانقراض الذي يحدق بنحو مليون صنف من الحيوانات والنباتات.

أزمة بيئية مستفحلة

ويعزو الخبراء هذه الأزمة المستفحلة رغم كل الجهود، إلى التغيرات المناخية وارتفاع مستويات التلوث والاستغلال المفرط للموارد وخصوصا الغابات وتدمير مصادر المياه والتوسع الحضري على حساب المساحات الخضراء والممارسات البشرية الخاطئة، وهو ما أطلق دعوات عالمية لاتخاذ الإجراءات الكفيلة بإحداث تحول في أنماط حياتنا وتجديد أواصر الصلة مع الطبيعة. وهنا تقع على منظمة "اليونسكو"، مهمة الاضطلاع بدور ريادي في الجهود العالمية الرامية إلى حماية التنوع البيولوجي، من خلال الربط بين العلم والطبيعة والثقافة.

وتعد المواقع الحاصلة على رعاية "اليونسكو" والتي تغطي ما يقرب من 10 ملايين كيلومتر مربع في 195 بلدا، نماذج عالمية للدمج بين حفظ التنوع البيولوجي والتنمية المستدامة، حيث تغطي مواقع التراث العالمي ومحميات المحيط الحيوي وحدائق اليونسكو الجيولوجية العالمية مجتمعة 6% من مساحة اليابسة على سطح الأرض، وتمثل مناطق رئيسية يسعى القائمون عليها للتناغم مع الكائنات الحية الأخرى، وتبادل الخبرات لمنفعة الجميع.

وتشكل أشجار المانغروف أحد أهم الأنظمة البيئية التي تخزن عنصر الكربون، وتوفر حماية للسواحل وتعزز القدرة على التكيف مع تغيرات المناخ، وتدعم التنوع البيولوجي، ويوجد ما يقارب 26% من غابات المانغروف في العالم في أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي، لكنها تشهد تراجعا سريعا في غاباتها نتيجة لتجزئة مناطقها والاستغلال المفرط للموارد الطبيعية الذي يدفعها للانحسار.

استعادة غابات المانغروف

ومن هنا، يعمل مشروع اليونسكو "مانغ ريس" على استعادة غابات المانغروف في سبع محميات عالمية للمحيط الحيوي من خلال مبادرات علمية بقيادة المجتمعات المحلية، وأهمها مشروع محميات المحيط الحيوي في منطقة نهر الأمازون الذي يسعى إلى وقف تدهور المناطق الحرجية، والحفاظ على التنوع البيولوجي والنظم الإيكولوجية، ودعم سبل العيش البديلة للمجتمعات المحلية والشعوب الأصلية.

ومنذ عام 2021، قدمت مشاريع اليونسكو دعما لأكثر من 42 مبادرة تهدف إلى إعادة تأهيل النظم الإيكولوجية وتوفير فرص عمل مستدامة للمجتمعات المحلية، وذلك من خلال الجمع بين المعرفة العلمية والمعارف المحلية والأصلية للحد من الآثار السلبية على التنوع البيولوجي وتعزيز القدرة على التكيف مع تغير المناخ، كما يدعم المشروع مبادرات محلية لتعزيز الإنتاج المستدام وإدارة الموارد، وتحسين الحوكمة الإقليمية، ودعم القيمة المضافة للمنتجات الاجتماعية والبيولوجية المتنوعة.

HI2r8HlW0AAn3TV
وعلى ذات الصعيد، تهدف بعثات الحمض النووي البيئي (eDNA) التابعة لليونسكو إلى تعزيز المعرفة بالتنوع البيولوجي البحري وتأثيرات تغير المناخ على أنماط توزيع الكائنات البحرية في مواقع التراث العالمي لليونسكو. وهي أول تجربة عالمية لرصد التنوع البيولوجي البحري من خلال العلوم التشاركية، باستخدام أساليب جمع الحمض النووي البيئي المشتركة، حيث شارك في حملة جمع العينات 250 شخصا من 19 دولة من مناطق مختلفة من العالم، تمكنوا من تحديد أكثر من 4000 نوع من خلال جمع عينات الحمض النووي البيئي.

محميات المحيط الحيوي

وتقوم مبادرة محميات المحيط الحيوي على مبدأ ازدهار المجتمعات والنظم البيئية معا، وتضم إلى صفوفها الشعوب الأصلية والمجتمعات المحلية، التي تمثل الخط الأول من رعاة تلك العوالم الطبيعية، كما تسعى لكسب دعم منظمات المجتمع المدني وقطاع الأعمال، بما يمثلونه من شركاء فاعلين في حماية النظم البيئية واستعادتها، بجانب حماية الحدائق الجيولوجية العالمية التابعة لليونسكو من خلال نهج تصاعدي يجمع بين الحفاظ على البيئة والتنمية المستدامة مع إشراك المجتمعات المحلية ودعمهم وتنمية أدوارهم، إذ يوجد حاليا 229 حديقة جيولوجية عالمية تابعة لليونسكو في 50 دولة.

وفي هذا الإطار، ستعقد النسخة السابعة من المؤتمر العالمي للتنوع البيولوجي البحري في الفترة من 17 إلى 20 نوفمبر 2026 في مدينة بروج في بلجيكا، برعاية معهد فلاندرز البحري (VLIZ)، وتحت شعار "رؤى التنوع البيولوجي البحري التي نحتاجها، من أجل المحيط الذي نريده". ويوفر المؤتمر فرصة ممتازة لتقييم الإجراءات والمبادرات الجارية، وكذلك تقييم ما لا يزال يتعين معالجته بحلول نهاية العقد الجاري.

وفي دولة قطر، يمثل المخزون الطبيعي جزءا محوريا في الإرث القطري والذي سينتقل للأجيال القادمة. ويلعب التنوع البيولوجي دورا هاما عبر كل الأنظمة البيئية بما يعمله من منظم طبيعي يساعد في الحفاظ على خصوبة التربة وتلقيح المحاصيل والتحكم في الحشرات والأوبئة وغيرها من الأنشطة التي تقع ضمن الأولويات الاستراتيجية الوطنية للبيئة والتغير المناخي.

استراتيجية قطر الوطنية

كما تهدف استراتيجية قطر الوطنية للبيئة والتغير المناخي إلى تحسين جهود الحفاظ على الأنظمة البيئية الطبيعية واستعادتها وحماية خصوصياتها، بالإضافة إلى ضمان حصول أهل قطر على الهواء النظيف والمياه النقية والغذاء والموارد، وهي لأجل ذلك تعمل بإدارة فعالة للحفاظ على أكثر من 25% من إجمالي مساحتها البرية بحلول عام 2030، عبر خطط التجديد وحماية الحياة البحرية والبرية المهددة وتطبيق ممارسات الصيد المستدامة، بجانب توفير الحماية والتجديد للموائل الطبيعية القطرية.

وفي هذا الإطار، يقول الدكتور ضافي الحيدان، مساعد مدير إدارة تنمية الحياة الفطرية في وزارة البيئة في حديث لوكالة الأنباء القطرية “قنا”، إن تعزيز الحياة الفطرية والمحافظة على التنوع البيولوجي في البيئة البرية والبحرية بدولة قطر، احتلت حيزا واسعا من خطط الوزارة خلال عامي 2025 و2026. وشملت هذه الجهود تنفيذ مشاريع حماية السلاحف البحرية في شاطئ فويرط ومراقبة مواقع التعشيش وإنقاذ السلاحف المصابة، إضافة إلى حماية أشجار القرم والموائل البحرية والكائنات المهددة.

وأضاف الدكتور الحيدان لـ”قنا” أن الوزارة واصلت تنفيذ مشاريع تسوير وإعادة تأهيل الروض واستزراع الأشجار والنباتات المحلية مثل السمر والسدر والغاف بهدف استعادة الغطاء النباتي وتحسين الموائل الطبيعية للكائنات الفطرية. كما عملت الوزارة على مكافحة الأنواع الغازية، وتنفيذ دراسات ومسوح ميدانية للتنوع الحيوي، وتطوير قواعد البيانات البيئية، إلى جانب تعزيز الشراكات مع الجهات الأكاديمية والقطاع الخاص والمجتمع المحلي، وتنفيذ برامج توعوية ومبادرات بيئية تدعم الاستدامة وتحافظ على الموارد الطبيعية للأجيال القادمة.

تحديات بيئية وصحية

وأكد الدكتور الحيدان أن جهود الوزارة تعمل على مواجهة التحديات البيئية والصحية ومن أبرزها ارتفاع درجات الحرارة والرطوبة، وصعوبة الوصول إلى بعض المواقع البرية والبحرية، إضافة إلى المخاطر المرتبطة بالتعامل مع الكائنات الفطرية والأنواع البحرية الحساسة.

وحذر من خطورة بعض الأنشطة البشرية مثل الرعي الجائر، ودهس النباتات بالمركبات، والتلوث البحري، والأنواع الدخيلة التي تمثل تحديات تؤثر على النظم البيئية والتنوع الحيوي، منوها بأن الوزارة تعتمد على فرق ميدانية متخصصة وخطط تشغيل مدروسة، تشترط تطبيق إجراءات السلامة المهنية وتوفير المعدات المناسبة للعمل الميداني، بما فيها التقنيات الحديثة في الرصد والمتابعة.

HI2r8HWWwAAGgSf
وبحسب موقع وزارة البيئة، أطلقت دولة قطر مبادرة "نثر البذور" الهادفة إلى دعم الغطاء النباتي الطبيعي، بجانب الحملة الوطنية لإزالة شجرة الغويف الضارة، بالإضافة إلى مبادرات متنوعة لحماية الأنواع المهددة بالانقراض أو إكثار أصناف من الحيوانات التي كانت موجودة في قطر مثل حماية السلاحف البحرية "صقرية المنقار" التي انطلقت منذ عام 2003، وإنشاء محمية غزال الريم التي باتت تحظى برعاية اليونسكو والاهتمام بالمواسم السنوية لمناطق تجمع الحيتان، ومواقع تعشيش السلاحف، ومواطن أبقار البحر (الأطوم)، إلى جانب تنمية المحميات الطبيعية والجزر والفشوت.

تعزيز الحياة الفطرية

وبشأن الدور التكاملي الحكومي مع المراكز المختصة بالبيئة، قال الدكتور سيف الحجري رئيس مركز حماية الطبيعة في دولة قطر لـ”قنا” إن تعزيز الحياة الفطرية والمحافظة على التنوع البيولوجي في دولة قطر يمثل جهداً مشتركاً، تتولاه جهات حكومية مثل الوزارات والجامعات والمراكز البحثية التابعة لها، كما توجد مبادرات خاصة لمؤسسات مجتمع مدني ومحميات طبيعية تتكامل في جهودها مع الجهات الحكومية لتحقيق أهداف مشتركة، تتمثل في حماية الأنواع المهددة بالانقراض وصون الموائل الطبيعية، مثل المها العربي، وغزال الريم، والحبارى والنعام، مشيرا إلى إطلاق أعداد من هذه الحيوانات في المحميات منذ سنوات لإعادة توطينها في بيئتها الطبيعية.

وأضاف: أن جهود المراكز المختصة تشمل كذلك حماية الكائنات البحرية، مثل برامج مراقبة قرش الحوت، ورصد أبقار البحر، وحماية السلاحف البحرية، بالإضافة إلى جهود استعادة النظم البحرية مثل مشاريع استزراع وإكثار أشجار القرم (المانغروف) لتعزيز البيئة الساحلية وبرامج استعادة الشعاب المرجانية والأعشاب البحرية.

إلى جانب ذلك، أشار الدكتور الحجري إلى أهمية دراسة الأنظمة البيئية البرية والبحرية، ومراقبة التنوع الحيوي وتوثيقه، وإعداد قواعد بيانات خاصة بالكائنات البحرية، منوها بإطلاق مشروع قاعدة بيانات التنوع الحيوي، ومشروع جينوم المها العربي الذي يعد من أبرز المشاريع في هذا الباب.

تأثر التوازن البيئي

وبشأن التحديات البيئية والاجتماعية التي تؤثر على التوازن البيئي والتنوع البيولوجي، شدد الدكتور الحجري على أهمية تشديد القوانين والتشريعات البيئية إلى مستوى يواكب التشريعات العالمية والتوسع في المحميات الطبيعية وتبنّي ممارسات مستدامة، ناهيك عن مشاريع إعادة التأهيل البيئي واستخدام البحث العلمي والتكنولوجيا.

تجدر الإشارة إلى أن دولة قطر صادقت على العديد من الاتفاقيات والبروتوكولات الدولية التي تشمل اتفاقية التنوع البيولوجي، ومنها بروتوكول قرطاجنة للسلامة الإحيائية، بالإضافة إلى بروتوكول ناغويا بشأن الحصول على الموارد الجينية والتقاسم العادل للمنافع الناجمة عن استخدامها، حيث تحرص دولة قطر على تنفيذ الالتزامات الخاصة بها من خلال إطلاق المبادرات والاستراتيجيات الوطنية التي تحمي التنوع البيولوجي بما يخدم الأجيال الحالية والمستقبلية.

المصادر

جميع الحقوق محفوظة لمرسال قطر 2026

atyaf company logo