تشكل الدبلوماسية الوقائية خط الدفاع الأول أمام الأزمات؛ إذ تقوم على التحرك المبكر لمنع تحول الخلافات والنزاعات إلى صراعات مسلحة، أو الحد من اتساع نطاق الصراعات القائمة، من خلال أدوات تشمل المساعي الحميدة والوساطة والحوار والتسويات السلمية، وفي هذا الإطار، لا تعد الوساطة بديلا عن الدبلوماسية الوقائية، بل إحدى أدواتها الرئيسية، حيث يتيح التدخل المبكر فتح قنوات الاتصال وإيجاد مساحات للتسوية قبل تفاقم الأزمات.
وقد جدد الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، في تصريحاته الأخيرة، التأكيد على أهمية تعزيز الاستثمار في منع النزاعات قبل اندلاعها أو تصاعدها، ومعالجة أسبابها الجذرية، وتفعيل أدوات التسوية السلمية التي يتيحها ميثاق الأمم المتحدة، محذرا من أن الانتقال إلى عالم متعدد الأقطاب، من دون مؤسسات وآليات فاعلة لإدارة التنافس، قد يزيد مخاطر المواجهة وعدم الاستقرار.
وفي ظل التحولات التي يشهدها النظام الدولي تكتسب الدبلوماسية الوقائية أهمية متزايدة، باعتبارها وسيلة لإدارة التنافس والخلافات قبل تحولها إلى مواجهات، من خلال القواعد المشتركة وقنوات الاتصال والوساطة، بدلا من انتظار اندلاع الصراعات ثم البحث عن تسويات لإنهائها.
المقاربة القطرية
وفي هذا السياق، تبرز المقاربة القطرية التي تجمع بين الوساطة والدبلوماسية الوقائية؛ إذ تضع دولة قطر الحوار والمساعي الحميدة والتسوية السلمية في صميم سياستها الخارجية، إلى المادة السابعة من الدستور الدائم للدولة، والتي تؤكد أن السياسة الخارجية للدولة تقوم على مبدأ توطيد السلم والأمن الدوليين، عن طريق تشجيع فض المنازعات الدولية بالطرق السلمية، وبما يتفق مع دور الدولة في حل تلك المنازعات على المستويين الإقليمي والدولي من خلال الوساطة والحوار، وما يستلزمه ذلك من الحفاظ على علاقات متوازنة مع جميع الأطراف، ودعم حق الشعوب في تقرير مصيرها، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، والتعاون مع الأمم المحبة للسلام.
ويتميز نهج دولة قطر في الوساطة بعدم الاعتراف بالحدود الجغرافية، حيث تمتد جهودها من الشرق إلى الغرب، حتى في أكثر النزاعات تعقيدا، وذلك انطلاقا من قناعة راسخة بأهمية بناء جسور التواصل وسد الفجوات وتقريب وجهات النظر بين أطراف النزاع والعمل بالتنسيق مع الشركاء الإقليميين والدوليين، وتجسد الجهود المتعلقة بقطاع غزة هذا النهج، حيث عملت قطر مع مصر وتركيا والولايات المتحدة ضمن المساعي الرامية إلى وقف إطلاق النار ودعم الترتيبات الإنسانية.

وفي هذا الصدد، قالت الدكتورة نافجة صباح البوعفرة الكواري، أستاذ العلوم السياسية المساعد بجامعة قطر، إن الدبلوماسية الوقائية في البيئة الدولية الراهنة لم تعد تقتصر على التحرك المبكر لمنع اندلاع النزاعات، بل أصبحت تقوم على إدارة مرحلة ما قبل الانفجار، من خلال التدخل عند ظهور مؤشرات التصعيد وقبل تحول الأزمة إلى نزاع مفتوح يصعب احتواؤه، مشيرة إلى أن تعقد الأزمات وتعدد الفاعلين وارتفاع احتمالات سوء التقدير جعلت منع التصعيد هدفا دبلوماسيا قائما بذاته.
أدوات الدبلوماسية
وأضافت أستاذ العلوم السياسية المساعد بجامعة قطر، في تصريح لوكالة الأنباء القطرية "قنا"، أن الوساطة تمثل إحدى الأدوات الرئيسية للدبلوماسية الوقائية، إذ لا يكون هدفها دائما التوصل فورا إلى تسوية شاملة، وإنما قد تركز على فتح قنوات الاتصال، ونقل الرسائل، وتوضيح النوايا، والحد من سوء التقدير، وإتاحة المجال أمام الأطراف للتراجع عن التصعيد بأقل كلفة سياسية ممكنة. ومن هذا المنطلق، لا يقاس نجاح الوساطة فقط بما تفضي إليه من اتفاقات، وإنما أيضا بقدرتها على منع الأزمات من التصعيد.
وأوضحت الدكتورة نافجة أن قطر استطاعت توظيف أدوات الدبلوماسية الذكية بصورة مرنة ومتكاملة، بما وسع مساحة حركتها السياسية، من خلال الجمع بين الوساطة والدبلوماسية الإنسانية والمساعدات التنموية والدبلوماسية العامة، إلى جانب بناء الشراكات الأمنية والسياسية، مع الحفاظ على قنوات اتصال مفتوحة مع أطراف تختلف في مصالحها وتوجهاتها.
#قنا_فيديو |
— وكالة الأنباء القطرية (@QatarNewsAgency) September 22, 2026
الدكتورة نافجة صباح البوعفرة الكواري أستاذ العلوم السياسية المساعد بجامعة قطر لـ #قنا: تعمل دولة #قطر من خلال مشاركتها في أعمال الجمعية العامة لـ #الأمم_المتحدة على تعزيز حضورها الدولي وتفعيل علاقاتها مع شركائها#قطر_في_الأمم_المتحدة#QatarAtUN#UNGA81#QatarUNGA81 pic.twitter.com/GilhpswTOR
وأشارت إلى أن فاعلية هذه المقاربة تكمن في اختيار الأداة المناسبة لطبيعة كل أزمة، إذ تتيح العلاقات الاستراتيجية لقطر الوصول إلى القوى المؤثرة، بينما تمنحها الوساطة والمساعدات وبناء الثقة القدرة على التواصل مع أطراف أخرى قد يصعب على القوى الكبرى الوصول إليها، وهو ما عزز قبولها وسيطا ومنحها مساحة أوسع للتحرك.
شبكة علاقات متوازنة
ونوهت الدكتورة نافجة صباح البوعفرة الكواري، أستاذ العلوم السياسية المساعد بجامعة قطر، بأن المقاربة القطرية للدبلوماسية الوقائية والوساطة تتميز بقدرتها على بناء تصميم هيكلي مرن لشبكة العلاقات يجمع بين مستويين متكاملين: العلاقات الرأسية والعلاقات الأفقية. فعلى المستوى الرأسي، حافظت قطر على علاقات استراتيجية مع قوى دولية رئيسية ومؤسسات متعددة الأطراف، بما يوفر لها مستوى من الثقة والقدرة على الوصول إلى دوائر صنع القرار. وفي الوقت نفسه، طورت أفقيا شبكة واسعة من قنوات الاتصال مع دول وفاعلين من غير الدول، دون اشتراط التطابق معها في المواقف أو المصالح.
وأضافت أن قوة هذا التصميم تكمن في الربط بين المستويين داخل شبكة واحدة، بحيث تستطيع قطر نقل الرسائل بين أطراف لا تتواصل مباشرة، والتحرك بين مستويات مختلفة من الفاعلين، وتحويل تعدد العلاقات إلى مساحة للوساطة والاحتواء. وأوضحت أن فاعلية الوساطة القطرية لا تستند إلى الحياد بمفهومه التقليدي فحسب، بل إلى شبكة واسعة ومتوازنة من العلاقات تتيح لها الوصول إلى أطراف متباعدة في مواقفها ومصالحها، مع الحفاظ على الثقة وقنوات التواصل مع مختلف الأطراف.
وعن أبرز التحديات التي تواجه الدبلوماسية الوقائية في ظل تعدد الوسطاء وتشابك المبادرات الإقليمية والدولية، أكدت أستاذ العلوم السياسية المساعد بجامعة قطر أن تعدد الوسطاء لا يمثل تحديا في حد ذاته، وإنما تكمن الإشكالية في غياب التنسيق وتداخل الأدوار، بما قد يحول جهود الوساطة إلى مساحة للتنافس، موضحة أن تكامل أدوار الوسطاء وتنسيق الرسائل وتوزيع المهام وفق قدرة كل طرف على التواصل أو التأثير أو تقديم الضمانات والدعم، يمكن أن يحول تعدد الوسطاء إلى عامل يعزز فرص التوصل إلى تسويات.
مؤشرات التحرك المبكر
وحول الدور الوقائي للوساطة والمؤشرات التي ينبغي أن تدفع الوسطاء إلى التحرك مبكرا بدل انتظار وصول الأزمة إلى مرحلة المواجهة، أوضحت الدكتورة نافجة أن الوساطة تكون أكثر فاعلية عندما تبدأ قبل انتقال الأزمة من خلاف قابل للاحتواء إلى مواجهة يصعب ضبطها، مشيرة إلى أن تصاعد الخطاب التهديدي، وانقطاع قنوات الاتصال، والتحركات العسكرية غير المعتادة، وتشدد المواقف التفاوضية، تعد من أبرز المؤشرات التي تستدعي التحرك المبكر.

وأكدت أن فاعلية الوساطة الوقائية لا ترتبط بتوقيت التدخل فحسب، وإنما أيضا بالقدرة على استشراف مؤشرات التصعيد، والحفاظ على قنوات اتصال وخيارات دبلوماسية متعددة يمكن تفعيلها عند تعثر أحد المسارات، بما يوفر هامشا للتحرك قبل أن تضيق البدائل وتصبح خيارات الأطراف أكثر ارتباطا بالمواجهة.
ومن ناحيته، قال الدكتور غسان الكحلوت، مدير مركز دراسات النزاع والعمل الإنساني في الدوحة، إن من أبرز ما يميز المقاربة القطرية في الدبلوماسية الوقائية والوساطة قدرتها على بناء علاقات مع أطراف مختلفة، وأحيانا متباينة في مواقفها ومصالحها، والحفاظ عليها على مدى فترات طويلة، مؤكدا أن الوساطة الفاعلة لا تبدأ عند اندلاع الأزمة، وإنما تسبقها سنوات من بناء الثقة وفهم مواقف الأطراف، والحفاظ على قنوات اتصال يمكن الاستفادة منها عندما تتعطل القنوات الرسمية.
خبرة متراكمة
وأوضح الدكتور الكحلوت، في تصريح لوكالة الأنباء القطرية "قنا"، أن دولة قطر استطاعت الجمع بين عدد من عناصر القوة التي تدعم دورها في الوساطة، من بينها المرونة السياسية وسرعة اتخاذ القرار، والقدرة على توظيف الموارد لدعم جهود التسوية، إلى جانب بناء شبكة واسعة من العلاقات مع الدول والفاعلين من غير الدول، وأشار إلى أن الخبرة المتراكمة من التعامل مع ملفات متعددة، مثل لبنان ودارفور إلى أفغانستان وغزة والكونغو وغيرها، أسهمت في تعزيز قدرات الوساطة القطرية، بما راكمته من خبرات وعلاقات وسمعة دبلوماسية على مدى سنوات.
ورأى مدير مركز دراسات النزاع والعمل الإنساني في الدوحة أن الحاجة إلى الدبلوماسية الوقائية تتزايد في ظل نظام دولي يشهد مزيدا من الانقسامات وتراجعا في مستويات التوافق، إلى جانب محدودية قدرة المؤسسات الدولية على التحرك بفاعلية في عدد من الأزمات. وأوضح أن هذه البيئة تمنح الوسطاء والدول الصغيرة والمتوسطة والمنظمات الإقليمية دورا أكبر في التحرك ضمن المساحات التي تتراجع فيها قدرة الدبلوماسية التقليدية.
وشدد في هذا السياق على أهمية التمييز بين إدارة الأزمات وصناعة السلام، موضحا أن الوساطات قد تنجح في التوصل إلى وقف لإطلاق النار أو تبادل للأسرى أو ترتيبات إنسانية، وهي إنجازات مهمة، لا سيما عندما تكون حياة المدنيين معرضة للخطر، إلا أن وقف إطلاق النار لا يمثل في حد ذاته سلاما، كما أن الهدنة لا تعني التوصل إلى تسوية سياسية.
نحو السلام
وحول متطلبات انتقال الوساطة من إدارة الأزمات إلى الإسهام في تحقيق سلام مستدام، أكد ضرورة ارتباط جهود الوساطة بمسار سياسي يعالج جذور النزاع، إلى جانب وجود آليات واضحة لتنفيذ الاتفاقات وضمانات للالتزام بها، مشيرا إلى أن مهمة الوساطة لا تنتهي عند توقيع الاتفاق، بل إن المرحلة التي تلي التوقيع قد تكون الأكثر صعوبة في العملية السياسية.
كما أكد أن الحفاظ على قنوات الاتصال مع جميع الأطراف يمثل ركيزة أساسية لأي وساطة فاعلة، موضحا أن التواصل مع طرف ما لا يعني تبني موقفه أو تأييده، وإنما يهدف إلى إبقاء قنوات الحوار مفتوحة مع الأطراف المؤثرة في مسار النزاع، والتي يصعب التوصل إلى تسوية من دون مشاركتها.
ونبه الدكتور غسان الكحلوت مدير مركز دراسات النزاع والعمل الإنساني في الدوحة، في ختام تصريحه، إلى أن توقيع الاتفاق لا يمثل نهاية الوساطة، بل قد يكون بداية لمرحلة أكثر تعقيدا، لافتا إلى أن العديد من الاتفاقات قد تتعثر إذا ظلت الأسباب السياسية والاقتصادية والأمنية التي أدت إلى النزاع قائمة. وأكد أن غياب آليات واضحة للتنفيذ وعدم معالجة جذور الخلاف قد يؤديان إلى تأجيل النزاع بدلا من التوصل إلى حل مستدام له.
